
![]()
يعتبر كزافيي لوفان واحدا من الوجوه البارزة للاستعراب في بلجيكا. نبع اهتمامه باللغة والآداب العربية من تخصصه في الفنون والثقافات الشرقية القديمة. حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة الحرة لبروكسيل بدراسة وصفية هامة خصصها عن تأثير لغة المحتل العربي في لهجة كينوبي مومباسا. يعمل حاليا أستاذا محاضرا بقسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة نفسها. وهو بالإضافة إلى انشغاله الأكاديمي مهتم بمظاهر الاحتكاك بين الثقافة العربية والثقافات الإفريقية على الصعيد اللغوي. أصدر اكزافيي لوفان كتابين مهمين هما: ‘حكايات بروكسيلية من كل أنحاء العالم’ و ‘حكاية عشيق غريب’ بالاشتراك مع إسبيرانس كانا. ننوه بالإضافة إلى ذلك بإسهامه الهام في ترجمة بعض التحققات النصية من الأدب السوداني على وجه التخصيص إلى اللغة الفرنسية، ونمثل لذلك بتجارب كتاب من أمثال أحمد الملك وهشام آدم وآخرين.
التقيناه على هامش أشغال ندوة ‘على هامش الأدب العربي المعاصر’ التي احتضنتها الجامعة الحرة ببروكسيل، وكان الحوار التالي:
ذكرت في واحد من أحاديثك أنك نشأت في وسط متعدد من حيث ثقافاته ولغاته وأنك كنت محظوظا لأسفارك المتعددة صحبة والديك بهدف اكتشاف ثقافات البحر الأبيض المتوسط. هل يمكننا أن نرى في ذلك تفسيرا كافيا للاهتمام الذي توليه للثقافة والأدب العربيين؟
عشت وترعرعت في بلدية سكاربيك بالعاصمة بروكسيل وهو مكان شديد التنوع فيما يخص ساكنته والثقافات التي تتعايش داخله. تعرفت على العديد من الأصدقاء البلجيكيين ذوي الأصول المغربية أو التركية، وكنت أستمتع بالإصغاء إلى العديد من اللغات سواء في المدرسة أو غيرها من الفضاءات. لا يفسر ما سبق ذكره كل شيء. كنت أحب القراءة منذ نعومة أظفاري، وأعترف بأنني قرأت عددا وفيرا من الكتب التي لها تعلق بالآداب الفرنسية والإنكليزية والأمريكية والعربية أيضا. أتذكر أن أول كتاب عربي قرأته هو ‘الخبز الحافي’ لمحمد شكري في الترجمة الفرنسية التي أنجزها الطاهر بن جلون. قرأت أيضا ترجمة رواية ‘بين القصرين’ لنجيب محفوظ وأعمال الكتاب المغاربيين ذوي التعبير الفرنسي. اكتشفت بمفردي هذا العالم الأدبي، كما كان لسفري إلى بلدان عربية عديدة أيام الدراسة دور في تعميق اهتمامي باللغة والآداب العربية. درست علم الآثار قبل انشغالي باللغات الشرقية، والحال أنه لا يسعك حين تهتم بالثقافات الشرقية القديمة أن تضرب صفحا عن امتداداتها في الثقافات العربية الراهنة في سورية أو العراق.
يتسم الاستشراق بتاريخ طويل وغني تتقاطع داخله المنجزات والمسارات والرؤى إلى العالم. كيف تتموقع داخل هذا التاريخ؟
لا أرى نفسي مستشرقا وإنما مجرد دارس وباحث في اللغة والآداب العربية. اللغة العربية بالنسبة لي لغة حية مثلها مثل اللغات الكونية الأخرى. لا أستطيع إنكار إسهام العديد من المستشرقين البلجيكيين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في نشر الثقافة العربية في أوروبا. أعترف بأنني أختلف بعض الشيء مع المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. صحيح أن كتابه حول الاستشراق ذو أهمية عالمية، لكنه يجانب الصواب حين يعتبر كل المستشرقين عنصريين ومحكومين بأهداف سياسية وإيديولوجية. ثمة العديد من المستشرقين الذين اهتموا بكيفية موضوعية وعلمية بالثقافة العربية الإسلامية واستطاعوا إنجاز مشاريع علمية هامة من قبيل ‘الموسوعة الإسلامية’ وغيرها. تنبغي الإشارة في السياق نفسه إلى وجود الأحكام المسبقة الجاهزة في خصوص ‘الغربي’ في العالم العربي والإسلامي. عندما أسافر إلى مصر أو أي بلد عربي آخر أفاجأ حين أتحدث مع الناس عن بلجيكا وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية السائدة فيها بهيمنة الأحكام المسبقة السلبية. ثمة في أوروبا بعض اليساريين يعتبرون أمريكا شيطانا وتمثيلا للشر. وهذا غير صحيح؛ إذ ثمة في هذه البلاد أدب وثقافات جيدة مضادة للصور النمطية السائدة.
تتركز أبحاثك حول التراث الشفهي في إفريقيا والأناضول وأيضا حول الحضور العربي والإسلامي في شرق ووسط إفريقيا وتحديدا على الصعيد اللغوي. قمت أيضا بتسجيلات ذات طابع لغوي وسوسيو تاريخي في إفريقيا (كينيا، أوغندا وبوروندي والكونغو). هل يمكن النظر إلى هذا الاهتمام باعتباره محصلة شغف بالهجنة الثقافية بالمعنى الإيجابي للكلمة؟
أهتم بالعالم العربي، ولكنني أهتم على درجة سواء بالثقافات الإفريقية وتواريخها. أسعى في عملي العلمي إلى رصد نقاط الالتقاء بين العالمين العربي والإفريقي. أعترف بأنني أتنفس داخل التنوع والتعدد وأنني مهووس بأشكال التقاطع والتداخل بين الثقافات. عشت طويلا في إفريقيا وتحديدا في بوروندي. ولهذه التفصيلة امتداد تاريخي ينبغي توضيحه؛ إذ لا توجد في بلجيكا عائلة لم يستقر أو يولد أحد أفرادها في الكونغو الكبير. أعترف بأنني لا أوافق على احتلال بلجيكا لهذا البلد، ولكن واقع الحال يلزمنا بالاعتراف بهذه الحق














